عبدالباسط المقرحي قد يكون آخر السلسلة من رموز المخططين لخطف الطائرات وتفجيرها، ومع أنه حوكم وأدين بإسقاط طائرة "بان أمريكان" فوق لوكربي، فقد جاءت حالته الصحية لتنقذه من استمرار العقوبة، لأن القانون في حكومة اسكتلندا يراعي الجانب الإنساني في قضية كهذه، ولذلك أفرج عنه، لكن حرب التصريحات بين ليبيا وبريطانيا غيّرت مسار القضية عندما اتهمت الأولى الثانية أن العفو عن المقرحي جاء نتيجة صفقة اقتصادية كبرى بين البلدين، وحتى بأخذ هذا بعين الاعتبار، فالكاسب، إذا افترضنا صدق هذه الأقوال، هو بريطانيا، لأن المقرحي ينتظر أيامه الأخيرة نتيجة إصابته بسرطان البروستات، لكن ماذا لو كان السجين أوروبياً أو أمريكياً؟في حالة اختطاف أي شخص من تلك الجنسيات بواسطة منظمة إرهابية سيكون الانتقام بالتعذيب والقتل، دون القبول بمقايضة مادية، أو إخراج سجناء ينتمون للمنظمة، مثل معتقلي "غوانتانامو"، أما إذا كانت المتسببة بالسجن دولة عربية أو من فئة العالم الثالث فإن المواجهة ستجبر الأضعف على التسليم بالواقع مثلما شهدنا إخراج سجناء أيام صدام حسين وإيران، وكوريا الشمالية، لأن العقوبات قد تكون قاسية، وهذا لا يعني أن أوروبا وأمريكا بلا جرائم تتخطى قوانين الوجود والإنسانية، مثل إشعال الحروب والغزو، بادعاءات غير صحيحة، أو نشر الفوضى الخلاقة وغيرها، إلا أن هناك قيماً يحددها القانون، وفي حالة المقرحي فقد فازت بريطانيا بالكسب المعنوي والمادي عندما أخرجته وهو في وضع صحي حرج..أوجه العدالة مختلفة بين الدول المتقدمة التي تحكمها الدساتير والقوانين وضغط الشارع الذي يمثل القوة المطلقة، وخاصة في الحقوق التي تكفلها نُظمها، لكنها خارج هذا النطاق لا تهتم بالآخر، إلا من بعض الشخصيات والمنظمات التي تساهم في جمع التبرعات للجوعى والمرضى، أو من يتعرضون للكوارث، في حين في العالم الثالث النقيض تماماً أي أن المواطن لا يتمتع بالحق القانوني والمعنوي، والدليل أنه في واقعة لوكربي تم الضغط على ليبيا بدفع مليارات الدولارات تعويضاً عن الخسائر البشرية والمادية، وهو ما وضعها في صلب التهمة..قد يكون عبدالباسط المقرحي ضحية وظيفته، والتكليف بأداء دوره دون مناقشة أو مواجهة الصعوبات الإجرائية، وعندما يتحدث أنه سيثبت بالبرهان براءته من الحادثة فإن القوانين والمحامين والهيئات القضائية الاسكتلندية، قد تأخذ بهذا الحق إذا ما ثبتت الحقائق وهنا يستطيع مقاضاة تلك الأطراف على ضوء ما حدث في عقوبته، لأن القضاء هناك يبني أحكامه على الإثبات بالبراهين..حادثة المقرحي تشبه العديد من القضايا التي لا تزال موضع جدل، حين تسمي بعض الدول رجلاً خرج على القانون بطلاً، والدليل أن الملاحقات الدولية لشخصيات نافذة قد تجعلهم عرضة للسجن والمساءلة، وقد كان الاتهام للرئيس السوداني بجرائم الإبادة، ثم وزير الدفاع الإيراني المرفوع عليه عدة قضايا من قبل الأرجنتين لتكون وسائل ضغط وملاحقة إلا إذا ثبت العكس من قبل المجتمع الدولي..